انضباط ووضوح تكتيكي.. لماذا لا يعود الأهلي إلى المدرسة الألمانية؟

مع تراجع النتائج والأداء في فترات مختلفة، يعود السؤال عن هوية المدير الفني للأهلي إلى الواجهة، وتحديدا إمكانية العودة إلى المدرسة الألمانية التي ارتبطت في ذاكرة جماهير القلعة الحمراء ببطولات عديدة وتجارب تركت بصمتها في تاريخ النادي.

الفكرة لا تتعلق بالحنين إلى الماضي أو التعامل مع الجنسية باعتبارها ضمانا للنجاح، وإنما بفتح ملف تجربة تستحق الدراسة، بعدما تولى تدريب الأهلي ثلاثة مدربين ألمان حققوا نجاحات واضحة، بينما لم تكن تجربة رابعة على المستوى نفسه من الاستقرار، رغم أنها انتهت بالتتويج ببطولة.

فايتسا.. تجربة قصيرة غيرت شكل الأداء

يأتي الألماني ديتريش فايتسا في مقدمة الأسماء التي تستحق التوقف عندها، بعدما قاد الأهلي خلال موسم 1988-1989، وحقق معه ثلاث بطولات، هي الدوري المصري وكأس مصر والكأس الأفروآسيوية.

ولم تقتصر أهمية التجربة على عدد الألقاب، بل ارتبطت أيضا بمحاولة تقديم أفكار تكتيكية مختلفة عن الأساليب السائدة في الكرة المصرية آنذاك، فقد عرفت تلك المرحلة توظيفات خططية جديدة، من بينها طريقة 3-5-2، التي تقوم على وجود ثلاثة مدافعين وخمسة لاعبين في الوسط والأطراف، مع مرونة في التحول بين الدفاع والهجوم.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أن فايتسا لم يحتج إلى سنوات طويلة حتى يترك بصمة واضحة، وهو ما يطرح تساؤلا بشأن قدرة الأهلي على الاستفادة من مدرب يمتلك شخصية فنية محددة، ويستطيع تطوير أداء اللاعبين خلال فترة زمنية قصيرة.

كما ارتبطت نهاية تجربته بظروف استثنائية تتعلق بإلغاء الدوري المصري في ذلك الموسم استعدادا لكأس العالم 1990، وهو ما حال دون استمرار المشروع بالشكل الذي كان مأمولا.

هولمان وتسوبيل.. البطولات تؤكد قيمة التجربة

جاء الألماني راينر هولمان ليقدم تجربة أخرى ناجحة مع الأهلي بين عامي 1995 و1997، إذ ارتبطت فترته بالتتويج بخمس بطولات، شملت لقبين للدوري المصري وكأس مصر ودوري أبطال العرب وكأس النخبة العربية.

وتبرز هذه التجربة أهمية الجمع بين الانضباط التكتيكي والقدرة على التعامل مع ضغط المنافسة المحلية والعربية، وهي عناصر يحتاج إليها الأهلي في أي مرحلة يسعى خلالها إلى استعادة تفوقه.

أما راينر تسوبيل، الذي تولى المسؤولية بين عامي 1998 و2000، فحقق بدوره خمس بطولات، تضمنت ثلاثة ألقاب للدوري المصري وكأس مصر وكأس النخبة العربية.

وتكشف هذه الحصيلة عن نجاح المدرسة الألمانية في تقديم مردودا قويا داخل النادي، وليس من خلال مدرب واحد فقط. ففايتسا وهولمان وتسوبيل اختلفوا في فترات عملهم وظروفهم، لكنهم ارتبطوا بمرحلة من الإنجازات التي تجعل العودة إلى تجاربهم أمرا يستحق النقاش والدراسة.

وبجمع الألقاب المنسوبة إلى المدربين الثلاثة، يصل الإجمالي إلى 13 بطولة، وليس 14، وفقا للأرقام المذكورة في هذه الحصائل، وهو تفصيل مهم عند تقديم مقارنة تاريخية دقيقة.

ديكسي.. الجنسية وحدها لا تكفي

على الجانب الآخر، لم تحقق تجربة الألماني هانز ديكسي المستوى نفسه من الاستقرار، إذ لم تستمر سوى أقل من ثمانية أشهر، لكنها انتهت بالفوز بكأس مصر.

وتقدم هذه المحطة دليلا على أن الانتماء إلى مدرسة تدريبية بعينها لا يضمن النجاح تلقائيا، وأن تقييم المدرب يجب أن يعتمد على جودة أفكاره، وقدرته على إدارة غرفة الملابس، ومدى ملاءمة أسلوبه لإمكانات اللاعبين وطبيعة المنافسات.

فالمدرب الألماني ليس بالضرورة صاحب الحل السحري، كما أن المدرب من جنسية أخرى ليس محكوما عليه بالفشل. الفارق الحقيقي يكمن في الكفاءة، والقدرة على بناء فريق متوازن، ووضع خطة واضحة يمكن تطبيقها وتطويرها مع الوقت.

ماذا يحتاج الأهلي إذا قرر العودة إلى المدرسة الألمانية؟

إذا أراد الأهلي إعادة فتح هذا الملف، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون البحث عن مدرب ألماني صاحب سيرة تدريبية قوية، وليس مجرد التعاقد مع اسم يحمل الجنسية الألمانية، المطلوب مدرب يمتلك خبرة في المنافسات الكبرى، وقدرة على تطوير اللاعبين، وسجلا واضحا في بناء الفرق وتحقيق البطولات.

كما ينبغي أن تتوافق فلسفته مع طبيعة الأهلي، الذي يحتاج إلى فريق قادر على المبادرة الهجومية، والضغط المنظم، والتحول السريع، مع الحفاظ على الصلابة الدفاعية، ولا بد أن يكون المدرب مرنا تكتيكيا، فلا يصر على طريقة لعب واحدة إذا كانت إمكانات القائمة لا تساعد على تطبيقها.

ومن الضروري أيضا أن يحصل الجهاز الفني على الوقت والدعم اللازمين، مع وجود تنسيق واضح بينه وبين إدارة الكرة في اختيار الصفقات وتحديد احتياجات المراكز، فتجارب المدربين الناجحين لا تقوم على الخطط وحدها، بل على منظومة تساعدهم على تنفيذ أفكارهم.

هل تكون المدرسة الألمانية بداية الحل؟

العودة إلى المدرسة الألمانية تستحق النقاش، خصوصا في ضوء التجارب التاريخية الناجحة التي ارتبطت بفايتسا وهولمان وتسوبيل، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قرار عاطفي يستند إلى الماضي وحده.

الأهلي لا يحتاج إلى تكرار تجربة قديمة بحذافيرها، بل إلى الاستفادة من عناصر نجاحها، وفي مقدمتها الانضباط والوضوح التكتيكي والقدرة على تطوير أداء الفريق، وإذا توافرت فرصة التعاقد مع مدرب ألماني مصنف يمتلك مشروعا مناسبا للنادي، فقد تكون الخطوة جديرة بالدراسة، أما الاكتفاء بالجنسية دون معايير فنية واضحة، فقد يقود إلى تكرار تجارب لا تحقق الطموحات.

السؤال الأهم ليس لماذا لا يعود الأهلي إلى المدرسة الألمانية، بل كيف يختار المدرب القادر على إعادة المارد الأحمر إلى المستوى الذي تنتظره جماهيره.

شارك
زياد الشرشابي
زياد الشرشابي
المقالات: 332

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *