بسم الله الرحمن الرحيم

شبح فايلر يطارد الأهلي: هل تنقذ الشخصية الحديدية موسم المارد الأحمر؟
لم يعد اسم السويسري رينيه فايلر مجرد ذكرى لمدرب سابق في الأهلي، بل تحول إلى معيار تستحضره الجماهير كلما تراجع الأداء وغابت الهوية الفنية، باعتباره نموذجا لمدير فني امتلك الشخصية والجرأة والقدرة على فرض أفكاره دون أن يخضع لبريق الأسماء أو حسابات النجومية.
ويعكس استدعاء تجربة فايلر حالة من عدم الرضا عن أداء الأهلي في المرحلة الحالية، ورغبة في استعادة فريق يعرف ماذا يريد داخل الملعب، ويملك أسلوبا واضحا في الهجوم والدفاع، ويخوض مبارياته بشخصية البطل. لكن السؤال الأهم ليس مجرد استعادة اسم المدرب السويسري، وإنما تحديد العناصر التي صنعت نجاح تجربته، ومدى قدرة الإدارة على توفيرها من جديد.
فايلر.. حين تتفوق المنظومة على الأسماء
ارتبطت تجربة فايلر مع الأهلي في موسم 2019-2020 بأداء هجومي قوي، ونجح الفريق خلالها في تسجيل أهداف عديدة بفضل التحركات الجماعية والضغط المبكر وسرعة نقل الكرة، حتى مع وجود تحفظات جماهيرية على مستوى بعض العناصر في مركز رأس الحربة.
وتشير الحصيلة المتداولة عن تلك المرحلة إلى تسجيل الأهلي 94 هدفا، وهو رقم يستدعي قراءة فنية تتجاوز أسماء المسجلين، وتبحث في طريقة صناعة الفرص وتوزيع الأدوار بين لاعبي الوسط والأجنحة والمهاجمين.
فالفكرة الأساسية في تجربة فايلر كانت أن الخطورة لا تتوقف على وجود مهاجم استثنائي، وإنما يمكن صناعتها من خلال منظومة تتحرك كوحدة واحدة، فعندما يتقدم لاعب الوسط إلى المساحة المناسبة، ويتحرك الجناح إلى العمق، ويتولى الظهير توفير العرض، يصبح الفريق قادرا على تهديد مرمى المنافس من أكثر من اتجاه.
وهنا تكمن إحدى أبرز الرسائل التي تحتاج إليها المجموعة الحالية: لا يمكن انتظار الحلول الفردية من النجوم في كل مباراة، بل يجب بناء آلية هجومية ثابتة تمنح اللاعبين فرصا متكررة للتسجيل، وتقلل اعتماد الفريق على الاجتهادات الشخصية.
الشخصية القوية.. هل يحتاج الأهلي إلى مدرب صارم؟
لم يكن الجانب الفني وحده ما جعل فايلر حاضرا في ذاكرة جماهير الأهلي، بل ارتبط اسمه أيضا بالصرامة في التعامل مع اللاعبين، وعدم منح أي عنصر حصانة بسبب اسمه أو تاريخه.
وفي فريق يضم لاعبين أصحاب خبرات وشعبية كبيرة، تصبح العدالة في الاختيارات عاملا أساسيا للحفاظ على الانضباط. فاللاعب الذي يشارك بانتظام يجب أن يدرك أن مكانه مرتبط بمستواه والتزامه، وأن التراجع في الأداء قد يعني الجلوس على مقاعد البدلاء، مهما كانت قيمته التسويقية أو جماهيريته.
لكن الشخصية القوية لا تعني الصدام المستمر مع اللاعبين، ولا اتخاذ القرارات بهدف إثبات السيطرة، المدرب الناجح هو من يجمع بين الحزم والقدرة على الإقناع، ويحدد واجبات كل لاعب بوضوح، ثم يطبق معايير ثابتة على الجميع.
ومن ثم، فإن الأهلي لا يحتاج إلى مدرب يبحث عن معارك داخل غرفة الملابس، بل إلى قائد يفرض احترامه من خلال العمل والتنظيم والقرارات الفنية العادلة، ويجعل المنافسة على المشاركة حقيقية وليست شكلية.
هوية هجومية غائبة عن المشهد
من أبرز ما تستحضره الجماهير عند الحديث عن فايلر وضوح الأسلوب الذي لعب به الأهلي في فترات من تجربته، فقد ارتبط الأداء بالضغط العالي، والتحرك السريع بالكرة ومن دونها، ومحاولة استعادة الاستحواذ بالقرب من مرمى المنافس.
وفي المقابل، فإن أي حالة من البطء في بناء الهجمات أو المبالغة في التحفظ الدفاعي يمكن أن تحرم الأهلي من أهم مميزاته، وهي القدرة على فرض إيقاعه وإجبار المنافس على التراجع.
ولا يعني ذلك أن الضغط العالي هو الحل في كل الظروف، فالتنظيم الدفاعي يظل ضروريا، خصوصا أمام الفرق التي تجيد استغلال المساحات، لكن المطلوب هو وجود خطة واضحة تحدد متى يضغط الفريق، وكيف يتحول إلى الهجوم، وما الأدوار التي يؤديها اللاعبون عند فقدان الكرة.
كما يجب أن تكون هناك بدائل تكتيكية عندما يغلق المنافس المساحات، حتى لا يتحول الاستحواذ إلى تمريرات جانبية لا تنتج فرصا حقيقية. فالفريق الكبير لا يكتفي بالسيطرة على الكرة، وإنما يعرف كيف يحولها إلى تهديد مباشر للمرمى.
هل تكفي عودة مدرب قوي لإنقاذ الموسم؟
تتمثل خطورة اختزال أزمة الأهلي في اسم المدير الفني في أن ذلك قد يؤجل معالجة الأسباب الأعمق، فحتى المدرب صاحب الشخصية القوية يحتاج إلى قائمة متوازنة، ولاعبين قادرين على تنفيذ أفكاره، ودعم إداري واضح، وآلية تقييم لا تتغير وفقا لنتيجة مباراة واحدة.
وإذا أرادت الإدارة استعادة نموذج قريب من تجربة فايلر، فعليها البحث عن مدرب يمتلك مشروعا فنيا واضحا، وليس مجرد شخصية صارمة، ويجب أن تشمل عملية الاختيار قدرته على تطوير اللاعبين، وإدارة النجوم، وبناء منظومة هجومية فعالة، إلى جانب امتلاكه المرونة اللازمة للتعامل مع اختلاف المنافسين.
كما أن التعاقد مع مدرب جديد، أيا كان اسمه، لن يكون كافيا إذا استمرت الأخطاء نفسها في اختيار الصفقات أو توزيع الأدوار أو تقييم الأداء، فالمشروع الفني يحتاج إلى استمرارية وتعاون بين الجهاز الفني وإدارة الكرة، حتى لا يصبح كل تغيير بداية جديدة بلا أساس.
فايلر معيار للمقارنة لا وصفة جاهزة
إن استمرار حضور فايلر في أحاديث جماهير الأهلي يعكس اشتياقا إلى الانضباط والوضوح والجرأة الهجومية، أكثر مما يعكس بالضرورة مطالبة حرفية بعودته شخصيا. فالتجربة تركت انطباعا بأن قوة المدرب تظهر عندما يستطيع تحويل مجموعة من اللاعبين إلى فريق يعرف أدواره، ويؤمن بأسلوبه، ولا يعتمد على الحلول الفردية وحدها.
وقد تكون الإدارة قادرة على إحداث صدمة إيجابية بالتعاقد مع مدرب يمتلك هذه الصفات، لكن ذلك يتطلب قرارا مدروسا ومعايير واضحة، لا تحركا انفعاليا تحت ضغط الجماهير.
الأهلي لا يحتاج إلى نسخة مطابقة من فايلر، بل إلى استعادة المبادئ التي جعلت تجربته مقنعة: شخصية قيادية، وعدالة في الاختيارات، وهوية هجومية واضحة، ومشروع فني يتقدم من مباراة إلى أخرى، عندها فقط يمكن أن يتحول الحنين إلى الماضي إلى خطوة عملية نحو مستقبل أفضل للمارد الأحمر.



