الشناوي وشوبير أكبر من محاولات الوقيعة

في النادي الأهلي، لا تُقاس قيمة حراسة المرمى بعدد تصدياته، أو عدد الأهداف التي قد تسكن شباكه، وإنما بما تمثله من طمأنينة تسري في عروق الفريق، وثقة يستند إليها المدافعون، وهيبة تصنع الفارق في اللحظات التي تتعثر فيها الأقدام وتضيق فيها المساحات، فحارس المرمى في الأهلي هو أحد أعمدة شخصية الفريق، وركن أصيل من أركان استقراره الفني والنفسي، وحصن تتكئ عليه طموحات جماهير لا تعرف سوى المنافسة على منصات التتويج.

ومن هنا، فإن محاولات إثارة الوقيعة بين محمد الشناوي ومصطفى شوبير، أو تصوير العلاقة بينهما باعتبارها صراعًا مكتومًا على النفوذ والمكانة، تتجاوز حدود الجدل الرياضي المعتاد، لتلامس منطقة أكثر حساسية تتعلق باستقرار الفريق وتماسك غرفته المغلقة، فالأهلي الذي اعتاد أن يحوّل المنافسة الداخلية إلى مصدر قوة، لا يحتاج إلى معارك جانبية تستنزف طاقته، ولا إلى أصوات تحاول أن تجعل من تعدد الخيارات الفنية أزمة، ومن وجود حارسين متميزين مشكلة تستوجب إشعال النيران.

والأخطر في هذا المشهد أن أزمة محمد الشناوي مع حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، وما صاحبها من جدل بشأن اختيارات المنتخب ومشاركة الحارس أو ترتيب الحراس، أصبحت مدخلًا لتأويلات تتجاوز حدود المنتخب الوطني، وتمتد إلى العلاقة بين الشناوي وشوبير داخل الأهلي، وكأن الخلاف في معسكر المنتخب لا بد أن يتحول إلى خصومة في القلعة الحمراء!

 

منافسة شريفة أم مادة للفتنة؟

لقد كشفت الوقائع المتداولة عن أزمة الشناوي وحسام حسن أن المسألة أكثر تعقيدًا من مشكلة حارس لم يشارك في مباراة، أو آخر حصل على فرصة المشاركة، فبحسب روايات إعلامية نُشرت مؤخرا، ارتبط الجدل بمباراة مصر وإيران في كأس العالم، حين شارك مصطفى شوبير، بينما كان الشناوي يأمل في الظهور وتحقيق إنجاز تاريخي بالمشاركة في نسختين من كأس العالم. وتحدثت تقارير عن محاولات لإجراء تغيير في التشكيل، تعثرت بسبب الإجراءات التنظيمية الخاصة بالمباراة.

وهنا تحديدًا بدأت مساحة التأويل تتسع، وتحولت واقعة تخص الجهاز الفني للمنتخب إلى مادة خصبة للتكهنات بشأن العلاقة بين الحارسين. فبدلًا من النظر إلى الأمر باعتباره قرارًا فنيًا تحكمه ظروف المباراة ولوائحها، أخذت بعض القراءات تضع الشناوي في مواجهة شوبير، وكأن حصول أحدهما على فرصة المشاركة يعني بالضرورة انتقاصًا من الآخر، أو كأن نجاح الحارس الشاب لا بد أن يكون خصمًا من رصيد قائد الأهلي.

وهذه هي المغالطة التي ينبغي التوقف أمامها؛ فالمنافسة على مركز حراسة المرمى لا تعني العداء، واختلاف القرارات الفنية لا يبرر افتراض وجود خصومة شخصية. وليس من الإنصاف تحويل مشاعر الإحباط الطبيعية التي قد تصاحب لاعبًا كبيرًا لم تتحقق أمنيته في المشاركة إلى دليل على خلاف مع زميله الذي نال الفرصة.

أما الحديث عن استغلال بعض خصوم الأهلي لهذه الأجواء لإشعال الفتنة داخل الفريق، فينبغي تناوله باعتباره قراءة للمشهد الإعلامي، لا حقيقة تثبت بمجرد تداولها. فإثبات وجود مخطط منظم أو نيات محددة يحتاج إلى أدلة واضحة، لكن من الممكن رصد أثر الخطاب الذي يضخم الخلافات المفترضة، ويقدم المنافسة الرياضية الطبيعية باعتبارها معركة شخصية بين اثنين من أهم حراس الكرة المصرية.

 

شهادة من داخل الملعب تهدم روايات الفتنة

ولعل أكثر ما يضعف روايات الصراع بين الحارسين هو ما صدر عن مصطفى شوبير نفسه، الذي تحدث أكثر من مرة عن علاقته بمحمد الشناوي، مؤكدًا أنه من أفضل حراس المرمى في تاريخ مصر، وأنه تعلم منه كثيرًا، وأن الشناوي ظل يقدم له النصائح والدعم حتى بعد اشتداد المنافسة بينهما على حراسة عرين الأهلي.

هذه الشهادة لا يمكننا أن نعدها كلمات مجاملة عابرة، وإنما تحمل في الحقيقة  دلالة مهمة؛ فالحارس الشاب الذي وجد نفسه في دائرة الضوء، وحصل على فرص لإثبات قدراته، لم يتعامل مع زميله باعتباره عقبة ينبغي تجاوزها، بل باعتباره قيمة فنية وإنسانية يتعلم منها.

كما أن الشناوي، بما يملكه من تاريخ طويل وخبرات متراكمة، يدرك أن المنافسة على مركزه ليست أمرًا استثنائيًا، بل سنة من سنن كرة القدم. وقد يكون الجلوس على مقاعد البدلاء صعبًا على أي لاعب، خصوصًا إذا كان قائدًا اعتاد أن يكون حاضرًا في التشكيل الأساسي، لكن صعوبة الموقف لا تعني أن تتحول العلاقة بين زملاء الفريق إلى خصومة.

وليس من المنطق أن نطالب شوبير بإثبات أحقيته بالمشاركة على حساب الشناوي، أو نطالب الشناوي بالتنازل عن طموحه لمصلحة شوبير. فكلاهما لاعب يرتدي قميص الأهلي، وكلاهما يمتلك الحق في المنافسة، ويبقى القرار الفني مسؤولية المدير الفني وحده.

إن الأهلي لا يبني مجده على أسماء ثابتة لا تتغير، وإنما على منظومة تتجدد فيها الأدوار، ويظل الانتماء إلى الكيان أكبر من أي موقع داخل التشكيل.

 

أزمة المنتخب لا ينبغي أن تنتقل إلى القلعة الحمراء

وفي خضم هذا الجدل، جاء ملف إصابة الشناوي واستبعاده من معسكر منتخب مصر ليضيف طبقة جديدة من التأويلات. فقد تناولت تقارير إعلامية مسألة الإعلان عن الإصابة والتنسيق بين الجهازين الطبيين للأهلي والمنتخب، كما شهدت الساحة تصريحات وانتقادات متبادلة بشأن إدارة الملف.

ومهما يكن من اختلاف حول تفاصيل تلك الأزمة أو المسؤوليات المتعلقة بها، فإن ما يخص المنتخب ينبغي أن يظل في إطاره المؤسسي، بعيدًا عن الزج باسم مصطفى شوبير في كل خلاف يخص الشناوي أو الجهاز الفني للفراعنة.

فليس من المقبول أن يتحول اختيار حسام حسن لأحد الحارسين إلى وسيلة لتأليب جماهير الأهلي على لاعبها الآخر، أو أن يُقدَّم شوبير باعتباره المستفيد من أي أزمة تخص الشناوي، دون دليل يثبت وجود صلة بين الأمرين.

وإذا كان البعض يعتقد أن إشعال الخلافات بين الحارسين يمكن أن يربك حسابات الأهلي، فإن الرهان الحقيقي يظل على وعي اللاعبين والجهاز الفني والإدارة، وعلى قدرة النادي على حماية استقراره من الضغوط الإعلامية والتأويلات التي لا تستند إلى وقائع ثابتة.

فحراسة المرمى ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا يجوز أن تصبح أداة للنيل من استقرار فريق ينافس على البطولات.

 

الأهلي أكبر من الأسماء.. والفتنة لا تصنع انتصارًا

إن قيمة الأهلي الحقيقية لا تكمن في امتلاكه حارسًا بعينه، مهما بلغت مكانته، وإنما في قدرته على صناعة منظومة متكاملة تحمي مرماه وتصون هيبته، والشناوي جزء أصيل من تاريخ هذه المنظومة، وشوبير يمثل امتدادًا لها بما يقدمه من قدرات وطموح ورغبة في إثبات الذات.

وإذا كانت المنافسة بينهما تفرض على المدير الفني اتخاذ قرارات صعبة، فإن تلك القرارات ينبغي أن تُحسم بمعايير فنية واضحة، بعيدًا عن ضجيج المنصات وحسابات الجماهير المتعصبة.

فالأهلي الذي اعتاد أن يجد طريقه إلى الانتصار وسط العواصف، لا ينبغي أن يسمح بتحويل خلافات المنتخب أو التكهنات الإعلامية إلى معارك داخل غرفة الملابس. ولا ينبغي أن يمنح من يتربصون باستقراره فرصة لتصوير المنافسة الطبيعية على أنها انقسام يهدد الكيان.

على الجميع أن يدرك أن  الشناوي وشوبير ليسا خصمين في معركة واحدة، بل حارسان يجمعهما قميص واحد وهدف واحد، حتى إن اختلفت أدوارهما من مباراة إلى أخرى. وحين يدرك الاثنان أن مصلحة الأهلي أكبر من أي طموح فردي، تصبح المنافسة مصدر قوة لا بابًا للفتنة.

وفي النهاية، فإن صمام الأمان الحقيقي للأهلي ليس القفاز الذي يصد الكرة وحده، وإنما الثقة المتبادلة، والعدالة الفنية، والوعي بأن حماية مرمى الفريق تبدأ من حماية وحدته. فالكرات قد تعبر خط المرمى، والمباريات قد تُحسم بلحظة، لكن أخطر الأهداف هي تلك التي تُسجل في شباك الاستقرار، حين ينجح أصحاب الأجندات في تحويل زمالة اللاعبين إلى خصومة، والمنافسة إلى أزمة، والاختلاف الفني إلى فتنة.

والأهلي، بتاريخه وشخصيته، أكبر من أن تهزه روايات متداولة، وأعرق من أن تنال منه محاولات الوقيعة بين أبنائه.

شارك
محمد الشرشابي
محمد الشرشابي

كاتب صحفي- مدير المحتوى بالشبكة العربية للإعلام

المقالات: 5

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *