قمة من بتوع زمان

ياااه.. لو نقدر نرجع بالزمن 20 سنة لورا ونعيش من جديد أجواء مباريات القمة بين الأهلي والزمالك يوم ما كان استاد القاهرة يتزين بالجماهير والمدرجات تمتلئ عن آخرها وما يبقاش فيه مكان لقدم وتتحول التسعون دقيقة إلى حكاية كروية تفضل محفورة في الذاكرة لسنين طويلة.

كانت أيام حلوة في كل حاجة.. في المدرجات وفي المنافسة وفي تفاصيل المباراة قبل ما تبدأ وبعد ما تنتهي.. كانت القمة موعدًا ينتظره الجميع مش مجرد مباراة بثلاث نقاط ولا فرصة للتحفيل على المنافس أو تصفية الحسابات والحمد لله ما كانش موجود “سوشيال ميديا” وقتها.

آه كان فيه «هات وخد» وكانت هناك مناوشات ومشاحنات بين الجماهير لكن كان للمنافسة طعم مختلف وللكلمة حدود وللكرة احترامها.. كان كل طرف يفتخر بفريقه ويستعرض تاريخه وبطولاته ونجومه من غير ما يتحول عشق الأهلي إلى كراهية للزمالك أو يتحول الانتماء للزمالك إلى عداء للأهلي.

كانت القمة عيدًا كرويًا حقيقيًا.. قبل ما تتحول إلى معركة كلامية خارج الملعب!

مين فينا ينسى انتظار صوت الراحل العظيم الكابتن ميمي الشربيني بتعليقاته وقفشاته وإفيهاته التي لم تكن مجرد كلمات عابرة لكنها جزء أصيل من ذاكرة الكرة المصرية؟ مين ينسى مشهد المدرجات وهي منقسمة بين اللونين الأحمر والأبيض وكل جمهور يحاول أن يثبت أنه صاحب الصوت الأعلى وأن فريقه هو الأحق بالفوز؟

كانت التفاصيل الصغيرة تصنع الحكاية الكبيرة.. حديث الزملاء قبل المباراة وتوقعات الجماهير والجدل حول التشكيل ثم صافرة البداية التي تجعل كل شيء ممكنًا.. فوز الأهلي له فرحته وانتصار الزمالك له مذاقه الخاص والتعادل نفسه كان يفتح أبوابًا للنقاش والجدل حتى موعد القمة التالية.

أما الآن فالمشهد اختلف كثيرًا.. صحيح أن المنافسة ما زالت مشتعلة وربما أصبحت أكثر شراسة لكن جزءًا كبيرًا منها انتقل من الملعب إلى الشاشات ومن المدرجات إلى صفحات السوشيال ميديا وأصبح البعض ينشغل بما سيقوله عن المنافس أكثر مما ينشغل بما يقدمه فريقه وكأن الهدف لم يعد أن يفوز ناديك بل أن تخسر الجماهير الأخرى فرحتها.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.. فالتشجيع حق والسخرية الخفيفة جزء من أجواء المنافسة لكن ما يحدث أحيانًا تجاوز حدود المزاح إلى الإساءة ومن التحفيل إلى التجاوز ومن الاختلاف في الرأي إلى تراشق لا يليق بتاريخ الناديين ولا بقيمة جماهيرهما.

الأخطر أن بعض هذه المناوشات لم تعد مجرد كلمات على الشاشات بل أصبحت تهدد بإشعال أزمات وخلافات قد تمتد إلى أرض الواقع.. وهنا يجب أن يتوقف الجميع قليلًا ويسأل نفسه.. ماذا نستفيد عندما تتحول مباراة كرة قدم إلى سبب للخصومة؟ وهل من المنطقي أن نخسر علاقات وصداقات وهدوءًا نفسيًا من أجل نتيجة تتغير وبطولة تذهب إلى فريق ثم إلى آخر؟

الأهلي والزمالك أكبر من أن تختصر قيمتهما في منشور ساخر أو تعليق مسيء.. الناديان يمتلكان تاريخًا طويلًا وجماهيرية استثنائية ونجومًا صنعوا مجد الكرة المصرية وقممًا لا تزال لقطاتها وأهدافها حاضرة في ذاكرة أجيال لم تعد تجد في المباريات الحالية كل ما كانت تبحث عنه من متعة وإثارة.

وغدًا تتجدد الحكاية في قمة جديدة بين الأهلي والزمالك تحمل أهميتها الفنية والجماهيرية وتكتسب خصوصية إضافية مع كونها المواجهة الأولى للمغربي الحسين عموتة في القمة..  مباراة ننتظر أن تكون على قدر اسم الناديين وأن تقدم كرة قدم تليق بجماهيرهما وتاريخهما بعيدًا عن أي أجواء مشحونة قد تسرق الأضواء من المستطيل الأخضر.

الأمنية ليست أن تختفي المنافسة ولا أن يتوقف جمهور عن تشجيع فريقه بحماس ولا أن يفقد الديربي سخونته التي تميزه عن أي مباراة أخرى.. بالعكس نريد قمة مشتعلة داخل الملعب وندية حتى الدقيقة الأخيرة وهتافات تزلزل المدرجات وفرحة مستحقة للفائز واحترامًا يليق بالخاسر.

لكننا نريد أيضًا أن ينشغل كل ناد بنفسه وأن يتحمل مسؤولوه مسؤولية تهدئة الأجواء وأن يركز اللاعبون والأجهزة الفنية على المباراة وأن تدرك الجماهير أن الانتصار الحقيقي لا يكون بإهانة المنافس بل بمساندة فريقها حتى النهاية.

يا ريت نشوف قمة من بتوع زمان.. قمة صوتها في المدرجات أعلى من ضجيج السوشيال ميديا ومتعتها في الملعب أكبر من معارك التعصب وتبقى ذكراها في الأذهان بسبب هدف جميل أو تصدٍ رائع أو لقطة فنية استثنائية مش بسبب خناقة أو إساءة أو أزمة جديدة.

شارك
محمود المخبزي
محمود المخبزي

صحفي وإعلامي، مساعد رئيس تحرير جريدة الأخبار، ومدير تحرير برامجي "ملك وكتابة" على قناة الأهلي و"اللعيب" على MBC مصر

المقالات: 1

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *