“الكلاحة” الحمراء

هناك انتصارات تُحسم بالأهداف، وأخرى تُحسم بالأداء، وثالثة تكتمل فصولها في المدرجات، حيث تتحول الهتافات من أصوات صاخبة تصاحب المباراة إلى جزء من حكايتها، وتصبح السخرية لغة موازية للغة الأقدام، ويكتشف المنافس، بعد فوات الأوان، أن خسارته لم تكن في النتيجة وحدها، وإنما في تلك المساحة الرمادية بين الملعب والمدرج، حيث تُصنع النكات الكروية التي تعيش أطول من بعض الأهداف.

وهنا تحديدًا تظهر مدرسة “الكلاحة” الأهلاوية؛ تلك التي لا تكتفي بالانتصار، ولا ترضى بمجرد أن تضع النقاط الثلاث في جيبها، بل تنتظر حتى يكتمل المشهد، وتطمئن إلى أن المباراة دخلت منطقة الأمان، ثم تخرج من جعبتها الرد الذي يجعل الخصم يتمنى لو أن صافرة النهاية جاءت قبل أن يسمعه!

وإذا كانت الكلاحة في معناها الشعبي المصري تعني المبالغة في الثقة بالنفس، والتمادي في المشاكسة، والقدرة على استفزاز المنافس دون أن تفقد أعصابك، فإن جمهور الأهلي حولها إلى فن جماهيري له قواعده الخاصة؛ أهمها ألا تتعجل الرد، وألا تنفق رصيدك من السخرية قبل أن تتأكد أن النتيجة ستقف إلى جوارك، وأن تترك للخصم فرصة كافية كي يندم على الهتاف الذي بدأ به.

“البط الكيني” درس في الصبر المدرجي

بدأت الحكاية بهتاف جماهير الزمالك: “واحد اتنين.. البط الكيني فين؟”، في محاولة لاستفزاز المنافس الأحمر، على طريقة المناكفات المعتادة بين القطبين. هتاف أراد أصحابه أن يكون سهمًا ساخرًا في اتجاه الأهلي، لكن جماهير القلعة الحمراء قررت أن تتعامل معه وفقًا لقاعدة بسيطة: لا ترد على السؤال ما دامت المباراة لم تمنحك الإجابة التي تريدها.

لم تدخل الجماهير الحمراء في جدل حول المقصود بالعبارة، ولم تتعجل صناعة رد مضاد، ولم تنشغل بمحاولة إسكات المدرج الأبيض في وقت كانت فيه الأقدام لا تزال تكتب بقية الحكاية، بل تركت الكرة تتحدث، وتركت دقائق المباراة تتقدم، وكأنها تقول لمنافسيها: احتفظوا بهتافاتكم قليلًا، فربما نحتاج إليها بعد قليل!

وحين اقتربت المباراة من نهايتها، وأصبح الأهلي متقدمًا بهدفين، بدا المشهد مختلفًا تمامًا. هنا التفتت الجماهير الحمراء صوب مدرج الزمالك، وخرج الرد الجماعي: “أهو أهو.. البط الكيني أهو!”

كانت اللحظة، في حسابات الكوميديا الكروية، أكثر من مجرد رد ساخر؛ لقد كانت عملية إعادة تدوير للهتاف الأصلي، مع تغيير اتجاه السهم. فالعبارة التي أُطلقت لاستفزاز الأهلي عادت إلى المدرج الذي أطلقها، بعد أن تكفلت النتيجة بتوفير المادة الخام للسخرية.

وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته “الكوميديا الإسقاطية” في المدرجات؛ أن تستخدم كلام منافسك نفسه، لا لتردده كما هو، بل لتعيد توجيهه نحوه، مستعينًا بما جرى داخل الملعب.

لا تحتاج إلى اختراع نكتة جديدة، ولا إلى تأليف أغنية كاملة، ولا حتى إلى الاستعانة بكاتب كوميدي؛ يكفي أن تنتظر، وأن تترك المنافس يمنحك بنفسه مادة الرد.

لكن الفارق الذي لا ينبغي إغفاله أن قوة الهتاف لا تأتي من العبارة وحدها، وإنما من توقيتها. فالجملة ذاتها قد تبدو عادية في بداية المباراة، لكنها تصبح أكثر وقعًا حين تأتي في الدقائق الأخيرة، والفريق الذي تتوجه إليه يعيش تحت ضغط النتيجة، في المدرجات، كما في الملعب، التوقيت نصف المهارة، والنصف الآخر أن تعرف متى تصمت!

“إلعب يا زمالك” ومشاكسات التفوق

غير أن قمة الكلاحة الحمراء لم تكن في استعادة هتاف “البط الكيني” وحده، بل في تلك العبارة التي تحمل قدرًا استثنائيًا من الاستفزاز الساخر: “إلعب يا زمالك!”

تأمل المفارقة قليلًا.. أنت تشجع فريقك، والمفترض أنك تطالبه بمواصلة الضغط، وزيادة الأهداف، وحسم المباراة، فإذا بك توجه حديثك إلى المنافس، وتدعوه إلى أن يلعب! وكأن الأهلي لا يواجه خصمًا تقليديًا له تاريخ وبطولات، بل ينتظر من فريق آخر أن يتذكر فجأة أنه جاء إلى الملعب من أجل ممارسة كرة القدم.

إنه نوع من الاستفزاز لا يعتمد على الشتيمة، ولا يحتاج إلى الخروج عن حدود المنافسة الرياضية؛ إنه يستمد قوته من الإيحاء بأن الطرف الآخر غائب عن المباراة، وأنه موجود في المستطيل الأخضر بالجسد، بينما تبحث روحه الكروية عن طريق العودة إلى اللقاء.

ومن الناحية الفنية، يرتبط هذا الهتاف بصورة معينة من صور السيطرة الميدانية. فعندما يفرض فريق إيقاعه، ويتحكم في الاستحواذ، ويتبادل لاعبوه التمريرات بثقة، ويجبرون المنافس على الركض خلف الكرة بدلًا من امتلاكها، تنشأ لدى جماهيره حالة من الزهو، وتصبح كل تمريرة ناجحة جزءًا من استعراض التفوق.

لكن الاستحواذ وحده لا يعني بالضرورة السيطرة الحقيقية؛ فهناك فرق بين تمريرات أفقية كثيرة لا تهدد المرمى، وبين استحواذ منتج يفتح المساحات، ويكسر خطوط الضغط، ويخلق فرصًا واضحة للتسجيل، وعندما تجتمع السيطرة مع الفاعلية، وتصبح تحركات المنافس رد فعل لا فعلًا، يجد المدرج نفسه أمام فرصة ذهبية لإطلاق عبارته المفضلة: “إلعب يا زمالك”

هنا تتحول المباراة، في المخيلة الجماهيرية الحمراء، إلى حصة تدريبية ساخرة، ويبدو الهتاف وكأنه نصيحة فنية مجانية يقدمها الأهلي لمنافسه: حاول أن تدخل معنا في أجواء المباراة، بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة الكرة وهي تنتقل من قدم إلى أخرى!

والأكثر طرافة أن هذا الهتاف يحقق غرضين في وقت واحد؛ فهو يرفع معنويات لاعبي الأهلي، ويضع لاعبي الزمالك تحت ضغط نفسي إضافي. فاللاعب الذي يسمع مدرجًا كاملًا يسخر من مشاركته في المباراة قد يشعر بأن كل تمريرة خاطئة ستصبح مادة للتندر، وأن كل محاولة غير مكتملة ستؤكد الرواية التي يرددها الجمهور المنافس. ومع ذلك، تظل هذه الآثار النفسية احتمالات تتفاوت من لاعب إلى آخر، ولا يمكن الجزم بأن هتافًا بعينه قادر على تغيير نتيجة مباراة بمفرده.

فكرة كرة القدم في نهاية المطاف، لا تقوم على إحراج المنافس بالصوت، بل على التفوق عليه بالفعل، أما الهتاف، فهو الملح الذي يضاف إلى وجبة الانتصار؛ وإذا زاد الملح قليلًا، فلا بأس عند بعض الجماهير، ما دام الحكم لم يطلق صافرة النهاية بعد!

“الكلاحة” المشروعة

ما يلفت الانتباه في هذا النموذج من التشجيع ليس السخرية ذاتها، وإنما فلسفة التوقيت التي تقف خلفها، فالجماهير التي تعرف طبيعة مباريات القطبين تدرك أن كرة القدم لا تعترف بالضمانات المبكرة، وأن فريقًا قد يسيطر نصف ساعة ثم يستقبل هدفًا يغير كل شيء، وأن التقدم بهدفين لا يعني بالضرورة أن المباراة انتهت حسابيًا أو نفسيًا.

لذلك فإن الانتظار حتى تتضح ملامح النتيجة يمثل، في الحسابات الجماهيرية، نوعًا من الذكاء العملي. لا تمنح منافسك فرصة لأن يقول إنك سخرت قبل أن تنتصر، ولا تجعل هتافك يسبق أداء فريقك، بل انتظر حتى يصبح الرد مستندًا إلى واقعة داخل الملعب، لا إلى مجرد رغبة في الاستفزاز.

وهذه هي الكلاحة التي يحبها قطاع من جماهير الأهلي: أن تظل هادئًا حين يرفع المنافس صوته، وأن تراقب المباراة بدلًا من الانشغال بمعركة المدرجات، وأن تؤجل الرد إلى اللحظة التي يصبح فيها أكثر تأثيرًا. إنها نسخة كروية من المثل الشعبي الذي يدعو المرء إلى ألا يبيع جلد الدب قبل اصطياده، مع إضافة أهلاوية صغيرة تقول: وبعد أن تصطاده، لا مانع من أن تلتقط صورة تذكارية معه أمام المدرج المنافس!

ومع انتشار مقاطع الفيديو ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الهتاف ينتهي بانتهاء المباراة، فقد أصبح المشهد مادة قابلة للتداول وإعادة المشاهدة، وتحولت الثواني القليلة التي يرد فيها الجمهور على منافسه إلى محتوى جماهيري يعيش أيامًا وربما أسابيع. هنا تكتسب اللحظة عمرًا أطول من زمنها الحقيقي، ويصبح المدرج جزءًا من صناعة الرواية التي ستتداولها الجماهير بعد المباراة.

لكن هذه المساحة تحتاج إلى قدر من التمييز، فالمناكفة الكروية شيء، والإساءة الشخصية أو التحريض أو تجاوز حدود الاحترام شيء آخر. وتظل السخرية أكثر ذكاءً حين تستهدف الموقف الرياضي، لا كرامة الأشخاص، وأكثر قبولًا حين تظل في إطار التنافس الذي يسمح للجميع بالضحك، حتى لو كان أحد الطرفين يضحك على مضض.

هل تحولت الهتافات إلى هدف خارج الملعب؟

بعد المباراة، أثيرت أنباء عن اتجاه إدارة الزمالك إلى تقديم شكوى بشأن الهتافات، وهو ما فتح بابًا جديدًا للسجال الجماهيري، ففي الحسابات الأهلاوية، رأى بعض المشجعين أن مجرد انتقال القضية من المدرجات إلى أروقة الشكاوى يمثل امتدادًا للمعركة النفسية، وأن الهتاف حقق أثرًا أكبر من اللحظة التي قيل فيها.

غير أن التعامل المهني مع هذه الأنباء يقتضي التمييز بين ما جرى تداوله وما ثبت رسميًا، فلا يصح اعتبار تقديم شكوى أو تفاصيلها أمرًا محسومًا من دون سند موثوق. كما أن تقديم شكوى، إن حدث، لا يثبت وحده أن الطرف الآخر انتصر نفسيًا، مثلما أن الانزعاج من هتاف لا يعني بالضرورة الهزيمة داخل الملعب.

ومع ذلك، فإن الواقعة تكشف عن جانب مهم في كرة القدم الحديثة؛ إذ لم تعد المباراة تنتهي عند صافرة الحكم، بل تستمر في المؤتمرات والتصريحات والبيانات والمنصات الرقمية. وقد تصبح عبارة قصيرة في المدرجات موضوعًا للنقاش أكثر من بعض التفاصيل الفنية التي صنعت النتيجة نفسها.

وهنا تكمن المفارقة الساخرة: قد يقضي المدرب ساعات في تحليل التمركز والضغط والتحولات الهجومية، بينما يحتاج مشجع إلى ثلاث كلمات فقط كي يشعل نقاشًا يمتد إلى اليوم التالي. كرة القدم، في بعض الأحيان، تمنحك تسعين دقيقة من الخطط، ثم تتركك أمام هتاف لا يتجاوز ثانيتين، لكنه يرفض مغادرة الذاكرة!

ولا يعني ذلك أن الضجيج أهم من الأداء، أو أن الفوز النفسي بديل من الفوز الرياضي. فالبطولات لا تُمنح لأكثر الجماهير قدرة على السخرية، ولا تُحسم المسابقات بعدد المقاطع المتداولة على مواقع التواصل، غير أن المدرجات تظل جزءًا أصيلًا من شخصية اللعبة، بما تمنحه من حماس وضغط ومشاعر، وبما تصنعه من طرائف تصبح جزءًا من ذاكرة المنافسة.

شارك
محمد الشرشابي
محمد الشرشابي

كاتب صحفي- مدير المحتوى بالشبكة العربية للإعلام

المقالات: 5

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *