بسم الله الرحمن الرحيم
عندما تجرح كلمات «العميد» محمد الشناوي: هل تكفي النتائج ليبقى مدربًا لمصر؟
لا يستطيع منصف أن يمحو ما حققه حسام حسن لمنتخب مصر، قاد الفريق إلى دور الستة عشر للمرة الأولى في تاريخ مشاركات مصر بالمونديال، حيث الوصول إلى هذه المرحلة إنجاز يُحسب للمدرب ولاعبيه، وقبل ذلك كله، يبقى العميد حسام واحدًا من أبرز مهاجمي مصر، وصاحب تاريخ كبير مع الأهلي والمنتخب، الاعتراف بهذا الرصيد واجب، حتى ونحن نختلف معه في تصرفاته اختلافا كبيرا.
أقول ذلك لأن السؤال الذي دار بذهني بعد المؤتمر الصحفي السابق لمباراة أنجولا، لم يعد عن قدرة حسام على تحقيق انجازات للمنتخب، بل أصبح عن قدرته على قيادة منتخب بلد بحجم مصر، بما تقتضيه هذه المسؤولية من اتزان وحصافة واحترام للاعبيه وللأندية التي ينتمون إليها.
لا أحد ينكر على المدرب حقه في استبعاد أي لاعب من المنتخب، حتى وإن كان محمد الشناوي نفسه، أحد القادة التاريخيين لنادي القرن والمنتخب المصري، فاختيار اللاعبين قرار فني بحت يخص المدير الفني، ولا ينبغي أن يكون لأي لاعب، مهما كان تاريخه، مقعد مضمون في المنتخب.
لكن حسام «جوّد» في تفسير الاستبعاد، ووضع بصمته غير الموفقة دائما، فتحدث عن فترة قال إن الشناوي كان فيها «منتهيًا» مع ناديه، ونسب فضل عودته إلى مستواه إليه وإلى تدريباته مع المنتخب!! ولم يكتف مدير المنتخب «الوطني» بذلك التجريح، إذ وسّع دائرة النقد إلى الأندية المصرية كافة، مدعيا إن مستوياتها متواضعة، وإنه هو صاحب الفضل في تجهيز لاعبيها!! وتناسى أن الدوري المصري يمتلك الأفضلية في صدارة الدوريات العربية والإفريقية، إذا احتكمنا إلى معايير التراكم التاريخي ونتائج البطولات القارية (IFFHS).
هنا يتجاوز التفسير والانتقاد حدود القرار الفني، إلى التسفيه العلني لقائد سابق للمنتخب، ومن عمل وجهد أندية يعتمد المنتخب أساسا في تحقيق انجازاته على لاعبيها.
محمد الشناوي ليس فوق النقد أو التقييم، لكنه حارس حمل مسؤولية حراسة عرين الأهلي ومنتخب مصر في مباريات كبرى، ومن حقه -ومن حقنا أيضا- أن نعرف سبب استبعاده من دون أن تصبح مرحلة تراجع في مستواه الفني، مادة لوصف جارح أمام وسائل الاعلام.
هل يدرك حسام خطورة وسلبية الرسالة التي أوصلها لباقي اللاعبين؟ ربما يسأل بعضهم نفسه: إذا كان وصف قائد تاريخي بحجم الشناوي بهذه القسوة أمام الإعلام، فكيف سيفسر استبعاد أي لاعب آخر؟ الحقيقة أنا لا أعلم ما دار داخل غرفة الملابس، ولا يصح أن أزعم وقوع انقسام فيها، لكن ما أعلمه أن القائد الذي يطالب لاعبيه بالثقة فيه عليه أن يحمي كرامتهم علنا، حتى وهو يتخذ أصعب القرارات بشأنهم.
يمكن لمن يدافع عن حسام أن يقول إن طباعه الحادة جزء من شغفه وروحه القتالية، وإن المنتخب استفاد من إصراره في المونديال، قد يكون هذا صحيح في جانب منه، غير أن الشغف وحده لا يفسر تكرار مواقف انتهت إلى عقوبات أو أزمات مؤسسية.
فالمسيرة التدريبية لمدير المنتخب شهدت عبر محطاتها المختلفة عدة توترات ومحطات صدامية، ليس المجال هنا لسردها، ولكني أذّكر فقط ببعض العقوبات الرسمية التي فرضت عليه إزاء انفعالات وتصرفات سابقة؛ أشهرها إيقافه لمدة 6 شهور من النادي الأهلي في واقعة خلع قميص الأهلي وإلقائه أرضا عقب طرده في مباراة المصري (1993).
وكذا إيقافه هو وتوأمه عام 2008 ثم إقالتهما بعد التحقيق معهما لسوء السلوك (بحسب القرارات الرسمية وقتها) في أحداث مباراة المصري وشبيبة بجاية، وفي 2016 أوقفته لجنة المسابقات ثلاث مباريات على خلفية سلوك غير رياضي عقب مباراة المصري وغزل المحلة.
ناهيك عن وقائع وأزمات أخرى كثيرة مثل: أزمة “الأمن” في لبنان (1994)، وأزمة بطولة أمم إفريقيا بالمغرب (1988)، وأزمة التهجم على منزل محسن صالح، غير الصدامات المتكررة مع الحكام والإعلام.
صحيح أن لكل واقعة ظروفها، لكن تكرار الأفعال ووصولها إلى قرارات تأديبية، كان يستحق أن يدخل في تقييم أهليته للمنصب الحالي منذ البداية.
فما كان خطأً مكلفا يصدر من لاعب، يصبح أشد كلفة حين يصدر من مدرب المنتخب، فالمدرب هو المنوط به تهدئة اللاعبين عند التوتر، وإدارة الخلاف مع الحكام أو الأندية أو الإعلام، وتقديم قدورة للشباب الذين يتابعونه، فلا يكفي أن يطلب المدرب الانضباط ممن حوله؛ بل عليه أن يمارسه عندما يشعر هو نفسه بالضغوط أو حتى الاستفزاز.
لدى أكثر من تفسير محتمل، رغم أنني لا أملك الجزم بما يدور في ذهنه؛ فقد يكون مقتنعا بأن التشدد والهجوم يٌثبت سلطته كمدرب، لكن السلطة الفنية لا تحتاج إلى وصف لاعب بأنه «منته» كي تصبح سلطة نافذة، وقد يكون شعر بأن أسئلة استبعاد الشناوي تشكك في حقه بالاختيار فرد بعصبية، غير أن سؤال الصحفي عن غياب قائد المنتخب متوقع ومشروع، والتعامل معه جزء من وظيفة المدرب.
وقد يكون مجرد تعبير خانه في المؤتمر، لكني أستبعد هذا التفسير إذا ما قرأنا تصريحه في سياق مواقفه السابقة لا كونه حدثا منفردا، لكن اقتران حديثه عن الشناوي بتقليله من شأن الأندية، مع وجود سوابق موثقة للانفعال، يجعل المطالبة بمراجعة أسلوبه أكثر جدية من الاكتفاء بوصف ما جرى بأنه «زلة لسان».
وبعد تعادل مصر مع أنجولا من دون أهداف في افتتاح تصفيات أمم أفريقيا، تساءل البعض إن كان أصداء هذا المؤتمر قد أضافت تشتيتًا للاعبين قبل المباراة، لكني أيضا لا أستطيع الجزم بصحة هذا التساؤل، إلا إنني أحمّل حسام مسؤولية الأزمة الإعلامية التي صنعها لنفسه ولفريقه بدون داعي في توقيت كان يحتاج فيه إلى التركيز.
تصريحات حسام للتقليل من لاعب أو نادٍ غير مقبولة بصفة عامة، كما أنها غير مقبولة بالمرة عندما توجه للاعب بقيمة الشناوي، ابن النادي الأهلي الكبير وقائد منتخب مصر، وتستحق منه اعتذارا مباشرا يحفظ قدره، كما يستحق باقي اللاعبين ضمانًا عمليا بأن قرارات استبعادهم فيما بعد لن تتحول إلى أحكام جارحة أمام الجماهير.
كما لا ينبغي على اتحاد الكرة أن يصمت إزاء هذا الأسلوب مع الشناوي أو أي لاعب من الأهلي أو من أي ناد آخر، باعتباره مجرد حماسة زائدة، وعليه أن يضع معيارا واضحًا لخطاب مدرب المنتخب وأن يحاسبه عليه.
وفي رأيي، إذا عجز حسام عن الالتزام بهذا المعيار بعد هذه الأزمة، فلا يصح أن يستمر في منصب المدير الفني لمنتخب مصر، مهما كان حجم إنجازه السابق، فالمنتخب يحتاج إلى مدرب يفوز بالمباريات ويحقق الانجازات، ويعرف أيضا كيف يصون لاعبيه ويحترم أنديتهم، ويحافظ على صورة مصر ومنتخبها أمام شبابها وأمام الجميع.
