بسم الله الرحمن الرحيم
عودة الروح مكسب الأهلي الحقيقي في القمة
لم يكن الفوز الذي حققه الأهلي على الزمالك في القمة 133 بهدفين دون رد مجرد ثلاث نقاط جديدة أو انتصار يمنح الفريق دفعة معنوية في سباق المنافسة، بل حمل في طياته مكسبا قد يكون أهم من النتيجة نفسها، وهو عودة الروح الحمراء إلى نفوس اللاعبين، وظهور ملامح فريق يعرف كيف يتكاتف ويتوحد خلف هدف واحد، بعيدا عن الحسابات الفردية أو الاعتراضات التي قد تفسد أجواء أي مجموعة.
ففي المباريات الكبرى، لا تكفي الأسماء الكبيرة أو الإمكانات الفنية وحدها لحسم المواجهات، وإنما يحتاج الفريق إلى شخصية قوية، ولاعبين يؤمنون بأن نجاح زميلهم هو نجاح لهم جميعا، وأن الجلوس على مقاعد البدلاء لا يعني الخروج من حسابات المجموعة أو التوقف عن أداء الدور المطلوب، وهذا تحديدا كان من أبرز المشاهد الإيجابية التي خرجت بها القمة الأخيرة.
الاحتياطيون يشجعون.. والمجموعة تنتصر
من يتأمل تصرفات لاعبي الأهلي خلال القمة وبعد صافرة النهاية، يستطيع أن يلمس الفارق في طبيعة التعامل داخل المجموعة، فقد ظهر الاحتياطيون وهم يساندون زملاءهم الموجودين في الملعب، ويشجعونهم ويدفعونهم إلى مواصلة القتال حتى اللحظات الأخيرة، في مشهد يعكس أن الجميع بات يدرك أهمية دوره، سواء شارك أساسيا أو انتظر فرصته على مقاعد البدلاء.
هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها في كرة القدم تحمل دلالات كبيرة، فاللاعب البديل الذي يتفاعل مع كل كرة، ويحتفل بنجاح زميله، ويمنحه الدعم في اللحظات الصعبة، يساهم في صناعة أجواء إيجابية تساعد الفريق على الحفاظ على تركيزه وثقته بنفسه.
والأهم أن الاحتفال بالفوز جاء بصورة جماعية، امتزجت فيها فرحة اللاعبين بحماس الجماهير، دون أن تفرض مشاهد الغضب أو الاعتراض الفردي نفسها على المشهد العام، ولم تكن الرسالة مرتبطة بهدف أو لاعب بعينه، بل بفريق كامل يحتفل بانتصار مشترك، ويستعيد إحساسه بأنه كيان واحد.
لا مكان للحسابات الشخصية في الأهلي
من أبرز ما يحتاج إليه الأهلي في هذه المرحلة أن تستمر هذه الروح، وألا تكون مجرد رد فعل مؤقت عقب الانتصار على الغريم التقليدي، فالموسم طويل، والمنافسات متعددة، ومن الطبيعي أن يجد بعض اللاعبين أنفسهم خارج التشكيل الأساسي في مباريات مختلفة، لكن الفارق بين فريق ينافس بقوة وآخر يفقد توازنه يبدأ من طريقة تعامل عناصره مع هذه المواقف.
اللاعب الذي لا يشارك عليه أن يدرك أن مصلحة الفريق تسبق رغبته الشخصية، وأن المنافسة على مكان في التشكيل يجب أن تكون داخل الملعب وفي التدريبات، لا من خلال إظهار الاستياء أو الانعزال عن المجموعة، وفي المقابل، يحتاج اللاعب الأساسي إلى الشعور بأن زملاءه يقفون خلفه ويدعمونه، وأن نجاحه لا ينتقص من فرص الآخرين.
هذه المعادلة هي التي صنعت تاريخ الأهلي في فترات عديدة، حين كانت قوة المجموعة تمنح الفريق القدرة على تجاوز الظروف الصعبة، وتساعده على تحقيق الانتصارات حتى عندما لا يكون الأداء في أفضل حالاته.
وائل جمعة.. دور يتجاوز النتيجة
وفي تقديري، فإن الدور الذي يقوم به وائل جمعة، مدير الكرة، يستحق التوقف أمامه عند قراءة المشهد داخل الأهلي، فوجود شخصية تدرك طبيعة النادي وضغوطه، وتعرف قيمة القميص الأحمر وما يرتبط به من مسؤوليات، يمكن أن يكون عاملا مهما في إعادة ترسيخ الانضباط وروح الجماعة داخل غرفة الملابس.
وائل جمعة، بما يمتلكه من تاريخ طويل مع الأهلي وخبرات في أجواء المباريات الكبرى، يعرف أن إدارة فريق بحجم الأهلي لا تقتصر على متابعة التدريبات أو تنظيم الأمور الإدارية، وإنما تشمل أيضا الحفاظ على تماسك المجموعة، والتعامل مع اللاعبين وفق قواعد واضحة، وترسيخ فكرة أن ارتداء القميص الأحمر مسؤولية قبل أن يكون امتيازا.
ومن هنا، يمكن قراءة المشاهد الإيجابية التي ظهرت في القمة باعتبارها مؤشرا على استعادة جانب مهم من شخصية الأهلي. لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذه الروح لا يصنعها شخص واحد بمفرده، بل تتشكل من تكامل أدوار الجهاز الفني ومدير الكرة وقادة الفريق، واستجابة اللاعبين أنفسهم لما يفرضه الانتماء إلى ناد بحجم الأهلي.
ومع ذلك، فإن وجود مدير كرة قادر على تذكير اللاعبين بقيمة القميص الذي يرتدونه، وفرض الانضباط دون الإضرار بالعلاقات الإنسانية داخل المجموعة، يظل عنصرا مؤثرا في بناء فريق متماسك.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القمة
الفوز على الزمالك يمنح الأهلي دفعة مهمة، لكن الاختبار الأهم هو الحفاظ على المكتسبات التي ظهرت خلال المباراة. فعودة الروح لا تقاس بالاحتفال بعد انتصار كبير فقط، وإنما بقدرة اللاعبين على تكرار المساندة نفسها في المباريات الأقل جماهيرية، واحترام قرارات الجهاز الفني، وتقبل الجلوس على مقاعد البدلاء، والعمل من أجل الفريق حتى في أصعب الفترات.
الأهلي لا يحتاج إلى الفوز في القمة وحده، بل يحتاج إلى استعادة الشخصية التي تجعل كل لاعب يشعر بأنه جزء من مشروع جماعي، وأن قيمة الفريق أكبر من أي اسم مهما بلغت مكانته.
وهنا تكمن أهمية ما ظهر في القمة 133، فالفوز بهدفين نظيفين سيظل نتيجة مهمة في سجل المواجهات، لكن عودة الروح الحمراء، وتكاتف اللاعبين، واحتفالهم مع الجماهير دون أن تطغى الحسابات الفردية على المشهد، قد تكون المكاسب الأكثر تأثيرا على المدى الطويل.
وإذا نجح وائل جمعة وبقية عناصر المنظومة في الحفاظ على هذه الحالة، وتحويلها إلى ثقافة يومية داخل الفريق، فسيكون الأهلي قد خرج من القمة بمكسب يتجاوز النقاط والأهداف، ويمنحه أساسا أقوى لمواصلة المنافسة في المرحلة المقبلة.
