بسم الله الرحمن الرحيم

الأهلي يدفع ثمن التفريط في نجومه أم أن المشكلة في اختيارات عموتة؟
لم تعد أزمة الأهلي الحالية مرتبطة فقط بالأخطاء الفنية لـ الحسين عموتة، رغم وجود ملاحظات واضحة على طريقة إدارة الفريق واختيارات التشكيل والتغييرات.
الأزمة امتدت إلى سؤال أكبر يتعلق بسياسة بناء الفريق خلال السنوات الماضية، وهل دفع الأهلي بالفعل ثمن التفريط في عناصره الأساسية دون توفير البدائل التي تملك نفس الجودة والخبرة.
عبدالمنعم وربيعة وضريبة إعادة بناء الدفاع
في قلب الدفاع، تبدو الصورة واضحة عند مراجعة ما حدث خلال الفترة الماضية. الأهلي امتلك ثنائيا دفاعيا من أبرز مدافعي الكرة المصرية، هما محمد عبدالمنعم ورامي ربيعة، قبل أن يرحل الأول إلى نيس الفرنسي في صيف 2024 مقابل صفقة قدرت بنحو 4 ملايين يورو، إضافة إلى مليون يورو حوافز، مع احتفاظ الأهلي بنسبة من إعادة البيع.
رحيل عبدالمنعم كان مفهوما من زاوية رغبة اللاعب في خوض تجربة الاحتراف الأوروبي، لكن المشكلة الحقيقية كانت في عدم تعويض تأثيره بالشكل المناسب.
أما رامي ربيعة، فكان رحيله مختلفا، بعدما انتهى عقده مع الأهلي وانتقل إلى العين الإماراتي في صيف 2025 في صفقة انتقال حر.
وبذلك فقد الأهلي مدافعا يمتلك سنوات طويلة من الخبرة داخل الفريق والمنتخب، في وقت أصبح فيه عموتة مطالبا حاليا بإعادة بناء خط دفاع فقد الكثير من الاستقرار والخبرة.
كثرة الصفقات لا تعني تعويض النجوم
بعد رحيل العناصر الأساسية، اتجه الأهلي إلى التعاقد مع عدد من المدافعين، من بينهم مصطفى العش وياسين مرعي وهادي رياض وعمرو الجزار، إلى جانب الاستعانة بأشرف داري في فترات مختلفة.
لكن القضية ليست في عدد اللاعبين الذين تم التعاقد معهم، وإنما في مدى قدرة كل صفقة على تعويض الدور الذي كان يؤديه اللاعب الراحل.
وهنا تظهر واحدة من أهم مشكلات الأهلي الحالية: بناء القائمة لا يجب أن يقوم على فكرة استبدال لاعب بلاعب، وإنما تعويض الوظيفة الفنية والخبرة والتأثير داخل الملعب.
إصابة عمرو الجزار الأخيرة بالرباط الصليبي زادت من حدة الأزمة، خصوصا أن اللاعب كان قد حصل على ثقة واضحة في بداية الموسم قبل أن يغيب لفترة طويلة، وهو ما جعل عموتة يخسر أحد الخيارات التي كان يعتمد عليها في الخط الخلفي.
علي معلول نموذج آخر للأزمة
في الجبهة اليسرى، تبدو قصة علي معلول أكثر وضوحا، فالظهير التونسي قضى تسعة مواسم مع الأهلي، وكان أحد أهم مفاتيح اللعب في الفريق خلال سنوات طويلة، قبل أن تنتهي رحلته مع النادي في 2025.
المشكلة هنا ليست في إنهاء مسيرة لاعب تقدم في العمر وتعرض لإصابة قوية، فهذا قرار يمكن مناقشته فنيا، وإنما في السؤال الأهم: هل تم إعداد البديل قبل انتهاء حقبة معلول؟
الأهلي جرب أكثر من اسم في هذا المركز، لكن الفارق في التأثير الهجومي وصناعة الفرص وبناء اللعب من الطرف الأيسر ظل واضحا، وبالتالي أصبح المدرب أمام مركز يحتاج إلى حلول مستمرة بدلا من امتلاك لاعب قادر على أداء الدور بصورة مستقرة.
خط الوسط فقد عمقا استثنائيا
الأزمة لا تتوقف عند الدفاع والأظهرة، فوسط الملعب فقد خلال السنوات الماضية مجموعة من اللاعبين الذين منحوا الأهلي مزيجا نادرا من القوة البدنية والخبرة والقدرة على الاستحواذ على الكرة وبناء اللعب.
رحيل أليو ديانج، وعمرو السولية، وحمدي فتحي، وأكرم توفيق ترك فراغا كبيرا، حتى مع استمرار مروان عطية ووجود أسماء جديدة حاولت سد المساحات.
واللافت أن الأهلي لم يخسر لاعبين فقط، وإنما خسر تنوعا في الوظائف، حمدي فتحي كان يقدم القوة والضغط وقع الكرة، ديانج يمنح الفريق قدرة بدنية وحركة واسعة، والسولية كان يمثل الخبرة والتمرير والتحكم في إيقاع اللعب، بينما أكرم توفيق قدم أدوارا متعددة في الوسط والظهير.
وقد انتقل السولية إلى سيراميكا كليوباترا، وأكرم توفيق إلى الشمال القطري قبل أن يعود للفريق مجددا، ورحل ربيعة ومعلول أيضا مجانا بعد انتهاء عقودهما.
أزمة المهاجم الصريح تتكرر
ربما تكون أزمة رأس الحربة أكثر الملفات التي تكشف صعوبة تعويض اللاعبين المؤثرين.
بعد سنوات من البحث عن مهاجم صريح، وجد الأهلي في وسام أبو علي مهاجما قدم إضافة واضحة، وسجل 38 هدفا وصنع 10 أهداف في 60 مباراة، كما توج هدافا للدوري المصري في موسم 2023-2024 بـ18 هدفا.
ورغم أن الأهلي حاول أولا الإبقاء عليه، وأعلن في 13 يوليو 2025 استمرار اللاعب حتى 2029، فإنه وافق بعد ذلك بأيام على انتقاله إلى كولومبوس كرو الأمريكي.
وبحسب تقارير صحفية، بلغت قيمة الصفقة 7.5 مليون دولار مضمونة مع حوافز ونسبة من إعادة البيع، وهو عائد مالي مهم للنادي، لكن المشكلة الفنية ظهرت في السؤال التالي: من يعوض إنتاج مهاجم سجل وصنع بهذا المعدل؟
الأجنحة كانت الاستثناء النسبي
وللإنصاف، لا يمكن القول إن كل اختيارات الأهلي خلال الفترة الماضية كانت خاطئة، ففي مركز الجناح تحرك النادي بضم تريزيجيه وأشرف بن شرقي وأحمد سيد زيزو، وهي أسماء تملك خبرات وقدرات هجومية معروفة.
لكن وجود أسماء كبيرة لا يعني تلقائيا نجاح المنظومة، المطلوب هو تحويل القدرات الفردية إلى إنتاج جماعي، وهو ما لم يظهر بصورة ثابتة حتى الآن.
وفي المقابل، فإن رحيل لاعبين مثل بيرسي تاو وأحمد عبدالقادر وكهربا، إلى جانب خروج أسماء أخرى، جعل الجهاز الفني يعيد تشكيل الخط الهجومي باستمرار، وتوضح بيانات انتقالات الأهلي لموسم 2025-2026 رحيل عدد من هذه العناصر، بالتزامن مع وصول صفقات جديدة.
هل المشكلة في عموتة وحده؟
هنا يجب أن تكون الإجابة أكثر تعقيدا من تحميل المدرب المسؤولية كاملة.
عموتة يتحمل بالتأكيد مسؤولية فنية عن شكل الفريق، وعن اختياراته وطريقة اللعب وإدارة المباريات، لكن المدرب يعمل أيضا بمجموعة من الأدوات التي وفرتها له الإدارة.
عندما يخسر الأهلي مدافعين بحجم عبدالمنعم وربيعة، وظهيرا بحجم معلول، وعددا من عناصر الوسط أصحاب الخبرات، ثم يفقد لاحقا مهاجما مثل وسام أبو علي، فإن عملية إعادة البناء تحتاج إلى وقت واختيارات دقيقة.
المشكلة إذن ليست في بيع لاعب أو إنهاء عقد لاعب بعينه، وإنما في إدارة مرحلة ما بعد الرحيل.
الأهلي يحتاج إلى سياسة مختلفة
المطلوب من الأهلي في المرحلة المقبلة ليس الدخول في سباق تعاقدات لمجرد زيادة عدد اللاعبين، وإنما تحديد الوظائف التي يحتاج إليها الفريق أولا، ثم اختيار اللاعب القادر على صناعة الفارق.
كما أن قطاع الناشئين يجب أن يحصل على مساحة أكبر في عملية بناء القائمة، لأن استمرار شراء البدائل لكل لاعب يرحل لن يكون حلا دائما.
الأهلي لا يحتاج إلى عشرات الصفقات، وإنما إلى لاعبين يملكون الجودة اللازمة لتعويض الأدوار المفقودة، مع الحفاظ على العناصر التي يمكن أن تصبح أعمدة للفريق في المستقبل.
وفي النهاية، قد يكون عموتة جزءا من المشكلة الفنية الحالية، لكن تقييم المرحلة كاملة يحتاج إلى النظر لما هو أبعد من المدرب، فالفريق الذي يفقد لاعبيه المؤثرين دون أن ينجح في تعويضهم، سيدفع في وقت ما ثمن قرارات سابقة، مهما كان اسم المدير الفني.



