بسم الله الرحمن الرحيم

سيد عبد الحفيظ أمام اختبار التطوير.. هل يكفي استنساخ الماضي؟
لا يحتاج الأهلي إلى استعادة ثوابته التاريخية فقط، بل إلى الجمع بين هويته الراسخة والتطور في إدارة كرة القدم، حتى لا تتحول العودة إلى الماضي إلى عائق أمام المستقبل.
العودة إلى الجذور ليست الحل الكامل
منذ تولي الكابتن سيد عبد الحفيظ مسؤولية الإشراف على الكرة في الأهلي، تتجه الأنظار إلى رؤيته لإعادة ترتيب البيت من الداخل واستعادة بعض الثوابت التي يرى كثيرون أنها تراجعت خلال السنوات الماضية، ويحظى عبد الحفيظ بتقدير قطاع واسع من جماهير النادي، منذ أن كان لاعبا، لكن مكانته لدى الأهلاوية لا تعني أن تجربته الإدارية يجب أن تكون بعيدة عن النقاش والتقييم.
الفكرة الأساسية التي ينبغي أن تحكم المرحلة الحالية هي أن الأهلي يحتاج إلى التقدم أكثر مما يحتاج إلى الاكتفاء بالعودة إلى الخلف. فاستعادة طريقة الأهلي في العمل أمر مهم، خاصة بعدما ابتعد النادي في بعض الملفات عن مبادئ الانضباط والتخطيط والاستقرار، لكن هذه العودة لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على استنساخ تجارب الماضي دون مراجعة متغيرات كرة القدم الحديثة.
هناك فارق واضح بين الحفاظ على الهوية والتمسك بالتقاليد من جهة، وبين التحول إلى مؤسسة تقليدية تتعامل مع كرة القدم بأدوات تجاوزها الزمن من جهة أخرى، فالأهلي الذي اعتاد أن يسبق منافسيه في التنظيم والإدارة لا يمكنه الاكتفاء بتكرار ما فعله قبل سنوات، بل عليه أن يطور أدواته باستمرار حتى يحافظ على مكانته.
أزمة هوية فنية قبل أن تكون أزمة صفقات
من أبرز التحديات التي تواجه الأهلي في السنوات الأخيرة غياب تصور كروي واضح ومستقر، يمكن الاستناد إليه عند اختيار المدربين واللاعبين، وتحديد احتياجات الفريق، وتقييم الأداء، واتخاذ قرارات الاستمرار أو الرحيل.
فالتعاقد مع لاعب مميز لا يعني بالضرورة أنه مناسب للفريق، كما أن اختيار مدرب صاحب سيرة ذاتية قوية لا يضمن نجاحه إذا لم تتوافق أفكاره مع طبيعة العناصر المتاحة وفلسفة النادي، المطلوب هو وجود منظومة فنية تحدد شكل الفريق الذي يريد الأهلي بناءه، ثم تختار العناصر القادرة على تنفيذ هذا التصور.
ويزداد الأمر أهمية عندما يصل النادي إلى مرحلة يبدو فيها مترددا بشأن قدرته على التعاقد مع المدرب الذي يحتاج إليه فعليا. فهذه المشكلة لا تتعلق بصفقة واحدة أو اسم بعينه، وإنما تطرح تساؤلات حول قوة التخطيط الفني، ووضوح الأهداف، وقدرة الإدارة على اتخاذ قرارات تتناسب مع طموحات النادي.
لا عودة عمياء إلى سياسة شراء المنافسين
لا يكفي أن يستعيد الأهلي سياسة التعاقد مع كل لاعب يتألق مع فريق آخر، باعتبارها وسيلة لإضعاف المنافسين وتعزيز صفوفه، فهذه المقاربة، حتى عندما حققت نتائج إيجابية في مراحل سابقة، كانت لها تكاليفها وسلبياتها، كما أن ظروف السوق وتكاليف التعاقدات تغيرت بصورة كبيرة.
ومع ارتفاع أسعار اللاعبين وتزايد الأعباء المالية، لم يعد من المنطقي إهدار الملايين في صفقات لا تستند إلى احتياجات فنية واضحة، أو الاعتماد على ردود الفعل الجماهيرية وما تفرضه منصات التواصل الاجتماعي من ضغوط. فالحماس الجماهيري قد يضخم قيمة لاعب، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن التقييم الفني والاقتصادي.
الأهلي يحتاج إلى سياسة تعاقدات تقوم على تحديد الأولويات، ودراسة مستوى اللاعب وملاءمته لطريقة اللعب، وتقدير تكلفته مقارنة بالعائد المتوقع منه، بدلا من الدخول في سباق على الأسماء لمجرد أن المنافسين يسعون إلى ضمها.
الناشئون والكشافون والبيانات.. الاستثمار الأهم
إذا كان المطلوب استعادة قوة الأهلي، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون من تطوير قطاعات الناشئين والكشافين، ورفع كفاءة المدربين، وبناء منظومة متكاملة لجمع البيانات وتحليلها.
ويحتاج النادي إلى معايير واضحة لاختيار المسؤولين في هذه القطاعات، بعيدا عن العلاقات الشخصية أو المجاملات، مع توفير بيئة تحمي المواهب الصغيرة وتمنحها فرصا عادلة للتطور والوصول إلى الفريق الأول.
كما ينبغي أن تقوم منظومة اكتشاف اللاعبين على عمل مؤسسي، لا على ترشيحات وكلاء اللاعبين وحدها، فوجود قاعدة بيانات دقيقة، وشبكة كشافين مؤهلة، ومعايير موحدة للتقييم، يمكن أن يساعد الأهلي على اكتشاف المواهب مبكرا وتقليل الاعتماد على الصفقات المكلفة.
وكل استثمار في هذه المجالات يمكن أن يوفر على النادي أموالا ضخمة مستقبلا، ويمنحه خيارات أوسع في بناء فريق يناسب احتياجاته، بدلا من الاضطرار إلى التحرك في سوق الانتقالات تحت ضغط النتائج أو الأزمات.
الأهلي الذي يتطلع إلى المستقبل
التحدي أمام سيد عبد الحفيظ لا يتمثل في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما في استعادة أفضل ما في تاريخ الأهلي، مع تطوير أدوات الإدارة والتخطيط والاختيار. فالأهلي الذي اكتسب سمعته بفضل الاحترافية والسبق التنظيمي لا يمكنه أن يكتفي بترديد شعارات التفوق من دون أن يجدد أسباب هذا التفوق.
العودة إلى طريقة الأهلي ينبغي أن تعني الانضباط والكفاءة والمحاسبة والتخطيط طويل المدى، لا مجرد استعادة أساليب قديمة بكل ما حملته من إيجابيات وسلبيات، فالماضي يمنح النادي هويته وخبرته، أما المستقبل فيحتاج إلى قرارات جديدة، واستثمار حقيقي في الإنسان والبيانات والناشئين، ومنظومة فنية تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: أن يحافظ الأهلي على أصوله، من دون أن يصبح أسيرا لها، وأن يستعيد مكانته من خلال التطوير والاحترافية، لا بمجرد الحنين إلى زمن تغيرت فيه كرة القدم وتبدلت أدوات المنافسة.



