بسم الله الرحمن الرحيم
بين هيبة التاريخ وواقع الميدان: رؤية تحليلية لمستقبل الفراعنة مع حسام حسن
تأتي قيادة حسام حسن لمنتخب مصر في مرحلة مفصلية تتطلب قراءة هادئة تجرد المشهد من العواطف والاصطفاف. بعيدا عن حشد المؤيدين أو صخب المعارضين، تقف تجربة “العميد” اليوم أمام مرآة الحقيقة الفنية والميدانية، حيث تصطدم الحماسة الكروية المعهودة عنه بأرض الواقع المعقد لكرة القدم الحديثة، والتي لم تعد تعتمد فقط على شحن الهمم والتاريخ الجماهيري، بل على إدارة المنظومة التكتيكية والنفسية للنجوم بأعلى درجات الاحترافية.
على الصعيد الفني، يظهر المنتخب الوطني حالة من التذبذب في أدائه، فالفوز على منتخبات مثل جنوب السودان “مع كامل الاحترام لها كمنافس” لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون جدارا يستند إليه في قياس الجاهزية الفنية للبطولات الكبرى. وقد جاءت المواجهة الأخيرة أمام جنوب إفريقيا على استاد القاهرة لتضع الأوراق كاملة على الطاولة، معرية الفوارق بين أداء يتسم بالفردية والاندفاع، وبين منظومة تنظيمية متكاملة ومستقرة تمتلكها منتخبات المستوى الأول في القارة.
للأسف الشديد الخسارة في القاهرة لم تكن مجرد تعثر في مباراة ودية، بل كانت جرس إنذار يكشف غياب الهوية التكتيكية الواضحة، والتراجع في معالجة المساحات والأخطاء الدفاعية المتكررة عندما يرتفع رتم المنافس فيضغط عليك بأريحية تامة وتعجز أنت عن التماسك وترابط خطوطك والزج بالبديل الذي يعادل الكفة بالنسبة لمنتخب كبير كالفراعنة.
وليس سرا ولا يخفى على أحد في أن أزمة حسام حسن الحقيقية لم تكن يوما في حدود الملعب فحسب، بل في إدارة الأزمات خارج الخطوط وداخل غرف الملابس، بل وعلى صفحات الجرائد ومواقع السوشيال ميديا.
الحقيقة أنه لا يخفى على كل متابع لكرة القدة أن تاريخ “العميد” التدريبي والرياضي حافل بالمواجهات الحادة مع الأجهزة الفنية، الحكام، والإدارات، وهي سمة شخصية انطبقت على مسيرته الكروية والتدريبية. ومع تنصيبه مدربا للمنتخب، انعكست هذه التوترات على علاقته بعدد من عناصر الفريق، وعلى رأسهم قائد المنتخب محمد صلاح. إن إدارة نجم بحجم صلاح “يلعب في أعلى مستويات الكرة العالمية وينشط ضمن منظومة احترافية صارمة” تتطلب دبلوماسية تدريبية واستيعابا لهامش النجومية، واستبعاد تام للغيرة الكروية او الاعتزاز بالنفس والمقارنة بين اللاعب وبين المدرب، فحسام حسن في جيله ومسيرته ونجاحه، لا يمكن مقارنته بمحمد صلاح الآن ولا مجال للمقارنة من الأساس، ولابد من عدم الصدام أو محاولة إثبات السلطة، إن أزمة الثقة والتراشق غير المباشر تضر بروح المجموعة، وتجعل البيئة داخل المعسكر مشحونة ومشتتة عن الهدف الأساسي.
ولكي يستمر حسام حسن ويحقق إنجازا يليق باسم مصر وتاريخها القاري، يتعين عليه إجراء مراجعة شاملة وتغيير عميق في فلسفته القيادية ونظرته الشخصية للنجوم وعدم المقارنة بينه وبينهم وكذلك عدم التعالي عليهم.
ونعيد ونؤكد انه لابد من الفصل بين الحماس والتكتيك فالنخوة والغيرة على القميص شرطان أساسيان، لكنهما لا يعوضان البناء التكتيكي الصلب، والتحضير الذهني والتحليلي للمنافسين.
كما ان من مميزات المدير الفني الناجح هو إدارة النجوم بدبلوماسية وعقلانية فتقبل واقع الكرة الحديثة احترافيا، وبناء جسور من الثقة مع محمد صلاح وبقية المحترفين بدلا من وضع الجميع في قالب العادة والشدة العصبيّة أمر في منتهى الأهمية.
كما يتعين على المحيطين وخاصة اداري الفريق وجهاز الكرة بل واتحاد الكرة أيضا لفت انتباه المدير الفني الى ضرورة احتواء الأزمات وضبط النفس والابتعاد عن المعارك الجانبية مع الإعلام أو اللاعبين، ونقل التركيز كاملا إلى تطوير الأداء الفني داخل الميدان.
ونؤكد ان هذه المعادلة الصعبة، يقع العبء الأكبر فيها على اتحاد الكرة المصري، الذي لا يمكنه الاستمرار في دور “المتفرج” أو التملص من المسؤولية. إن دور الاتحاد في المرحلة المقبلة يتلخص في مسارين محددين أولهما التخلي عن سياسة المسكنات والتدخل الفوري لترسيم حدود العلاقة بين الجهاز الفني واللاعبين، وإرساء قواعد احترافية تنظم التعامل الإعلامي والداخلي.
وثانيهما وضع أهداف فنية ومرحلية واضحة للتقييم، توفر الدعم الكامل للجهاز الفني وتلبي احتياجاته، لكنها في الوقت نفسه تحاسبه بشفافية على الأداء والنتائج دون مجاملة أو تراجع أمام الضغط الجماهيري.
إن منتخب مصر يمتلك الإمكانيات والأسماء التي تؤهله للتواجد دائما على منصات التتويج، لكن الوصول إلى ذلك لن يمر عبر الشعارات، بل عبر الاستقرار الفني والإداري، وإدراك حسام حسن أن قيمة قميص الفراعنة تتطلب مدربا يجمع بين قوة الشخصية وحكمة القيادة، والابتعاد كل البعد عن “النفسنة”.
